المعارض

تجار اللؤلؤ: ملحمة أعيد اكتشافها بين الخليج وفرنسا في فجر القرن العشرين

فصل منسي من تاريخ صياغة المجوهرات، حتى الآن

29 مارس إلى 13 أبريل، 2019

In5 في Hai d3، حي دبي للتصميم
E11، دبي
يستقبل الجمهور يومياً – الدخول مجاني
9.00 صباحاً حتى 9.00 مساءً

Pearl Merchants-Jewelry-Exhibition-Dubai

مقدّمة

مغامرة علمية وإنسانية

"في تلك الفترة، كنا نعد أكثر من 300 تاجر لؤلؤ بين رقم 1 و100 من شارع لافاييت!"

إذا ما صدّقنا بول ليفي وجان بول بوارو، وحده شارع لافاييت كان يضم ثلاثمائة تاجر لؤلؤ في باريس خلال فترة ما بين الحربين العالميتين وما بين الشارع رقم 1 و 100.

وبهذا الرقم المذهل تبدأ رحلتنا المعمقة في تاريخ انطلاقة تجارة اللؤلؤ بين دول الخليج وفرنسا.

قصة منسية

في الحقيقة، عندما ننظر إلى اللؤلؤ وتاريخه، يدهشنا الرقم 300 بأهميته مقارنة بالوضع الحالي لشارع لافاييت في باريس وبسوق اللؤلؤ الرفيع على المستوى العالمي. فاليوم، ثمّة عدد قليل من التجار والخبراء الفرنسيين بينما اللؤلؤ يمثل حجماً ضئيلاً من السوق الذي يحكم فيه اللؤلؤ المستزرع أكانمن المياه العذبة (95%) أم من مياه البحر (5%).

مع ذلك وبغض النظر عن هذه المعلومة المثيرة للدهشة حول سوق اللؤلؤ في مطلع القرن العشرين، لا توجد أية معلومات دقيقة أو مقارنات أو بيانات محددة بوضوح أو حتى منشورات عن هذا الموضوع. فكيف يجوز الأمر أنه قبل أقل من قرن، كان هذا العدد من التجار يكسبون لقمة عيشهم من جراء اللؤلؤ؟ ولماذا أصبحت العاصمة الفرنسية المركز العالمي للؤلؤ؟ كيف تأسست العلاقات بين الخليج وفرنسا؟ لأي أسباب زالت هذه التجارة المزدهرة؟ والأهم من ذلك، كيف تم فقدان ذاكرة هذا العصر الذهبي للؤلؤ اليوم؟

إنها قصة منسية لإحدى أروع المغامرات التجارية والإنسانية، تُروى حالياً خلال المعرض الذي تنظّمه     ليكول فان كليف أند آربلز بإنتاج مشترك مع المعهد الفرنسي في دولة الإمارات العربية المتحدة، المكتب الثقافي في السفارة الفرنسية في إطار الحوار الثقافي الإماراتي-الفرنسي.

من الجدير بالذكر هنا الظروف التي أدت إلى تنظيم هذا المعرض حيث نشأت هذه الأسئلة خلال نقاش بين سعادة سفير فرنسا في الإمارات العربية المتحدة ونيكولا بوس، الرئيس والمدير التنفيذي لفان كليف أند آربلز، على هامش مؤتمر حول اللؤلؤ في دبي بنهاية 2017. وقد أدّت هذه التساؤلات إلى تسليط الضوء على جزء غير معروف عن تاريخ اللؤلؤ والمجوهرات وأيضاً على العلاقات التجارية التي جمعت دول الخليج وفرنسا، بما أننا ندرك بأن الغالبية العظمى للآلئ التي صيدها في أوائل القرن العشرين وبيعها في باريس، يعود منشأها إلى هذه المنطقة

Pearl Merchants-Jewelry-Exhibition-Dubai

بحث غير منشور

            إن المراجع الوفيرة المخصصة للؤلؤ لا تزال صامتة بشكل مدهش حول الموضوع. ثمة بعض الإصدارات النادرة الاستثنائية غير أنها تقدم معلومات غير كاملة. من هنا، إن كتاب ليونارد روزنتال الذي صدر عام 1919 والذي ما زال يعد مرجعاً عن اللؤلؤ، لا يقدّم سوى بعض الحكايات الشخصية حول نقل السوق من لندن إلى باريس خلال العقد الأول من العقد الثاني من القرن العشرين.. أما كتاب ألبير لودر "بيشور دو بيرل" أم صيادو اللؤلؤ الصادر في 1931، فهو يصف صيد اللؤلؤ ويعلّق بإيجاز على التجار الرئيسيين.

إن مسألة تجارة اللؤلؤ بين موقع اصطيادها في الخليج وموقع المتاجرين بها في فرنسا تبقى غامضة على رغم الأبحاث.  وتأتي الأدلة الأكثر موثوقية من دراستين تاريخيتين حديثتين لروبرت أ. كارتر وغيوميت كروزيه. الأول، مؤلّف لموسوعة شاملة عن اللؤلؤ هو الذي يتطرّق من دون أي شك إلى موضوع التجارة مع أوروبا بالتفصيل ؛ غير أن الدراسة نفسها تبقى موجزة لا تتعدى 10 صفحات. أما غيوميت كروزيه فهي تتطرّق إلى الموضوع أيضاً في دراستها الموسّعة عن تاريخ الخليج بين 1800 و1914 ولكن بطريقة مختصرة أكثر إذ لا تخصص سوى بضع صفحات لتجارة اللؤلؤ في باريس في مطلع القرن العشرين. أخيراً، نجد في كتاب سيف مرزوق الشملان عن اللؤلؤ في الخليج، بعض الروايات لتجار من الكويت في باريس خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي. وهذا كل ما نعرفه عن الموضوع حتى الآن.

            نظراً لنقص المعلومات المتوفرة، ازدادت أهمية القيام ببحث كامل لاستعادة التاريخ الضائع ومشاركته في فرنسا والشرق الأوسط. وبفضل التزام ليكول فان كليف أند آربلز في تطوير المعرفة في عالم صياغة المجوهرات، بات من الممكن الانطلاق في مشروع بحثي طموح حول الموضوع. وبإدارة ليونارد بوي، حائز على شهادة دكتوراه في تاريخ الفن، امتد البحث على فترة سنة بين فرنسا والشرق الأوسط.

            سعى ليونارد بوي إلى استكشاف الأرشيف والمذكرات في أوروبا والخليج. تفحّص ما يعرف بمحفوظات "السجلات والأوراق الخاصة لمكتب الهند" في المكتبة البريطانية، وأرشيف الكلية العليا للمجوهرات في باريس (حيث يتم الاحتفاظ بسجلات نقابة تجار الماس واللؤلؤ والأحجار الكريمة والصلبة)، ومخطوطات المكتبة الوطنية الفرنسية والأرشيف الوطني لعالم العمل ومحفوظات وسام الشرف وأخيراً الأرشيف الوطني للإمارات العربية المتحدة في أبوظبي. في الوقت نفسه، قابل ليونارد بوي أحفاد أبرز هذه التجارة وحارسي هذا التقليد الشفوي الغني بالمعلومات والتعاليم. من هنا تمكّن ليونارد بفضل المجموعة الوثائقية المكتوبة والشفوية التي استطاع تحديدها والاطلاع عليها، من إعادة اكتشاف هذه القصة التجارية الاستثنائية بين الخليج وفرنسا في مطلع القرن العشرين وتوثيقها وإعادة كتابتها. والكتالوج التالي هو نتيجة أبحاثه.

 

Pearl Merchants-Jewelry-Exhibition-Dubai

ملحمة أعيد اكتشافها واستعراضها

            يستكشف تاريخ هذه التجارة الذي أعيد اكتشافه فترة شغف ومغامرات للإنسان، زمن بارز جمع مصائر العديد بين فرنسا والخليج حول شيء مذهل ما هو سوى إفراز استثنائي لمحار عادي.

                      منذ البداية حين عثر رجل العصر الحجري على ضفاف خليج المحيط الهندي هذه الحبيبات في المحار التي كان يجمعها لغذائه أو أدواته، لم يكف اللؤلؤ عن إدهاشه. ولم تعد اللآلئ أبداً مادة اعتيادية أكانت تستخدم لأغراض طقوسية أم لإثبات الولاء أو للزينة وذلك ربما بسبب ندرتها ومصدرها غير المتوقّع أو مظهرها الفريد. وسرعان ما غذى اللؤلؤ خيال الرجال وألهم أعمالاً ميثولوجية وأدبية وموسيقية.

Pearl Merchants-Jewelry-Exhibition-Dubai

 

            يقترح المعرض مساراً زمنياً – موضوعياً من نهاية القرن التاسع عشر حتى اليوم مع التركيز على الثلث الأول من القرن العشرين وهي فترة ازدهار هذه التجارة.

            بداية يبين المعرض كيف ساهمت نشاطات صيد اللؤلؤ في بتشكيل شواطئ الخليج وثقافها سكانها منذ عصور ما قبل التاريخ وحتى القرن التاسع عشر. فقد أتاحت نمو السكان وتطوير نموذج تجاري إقليمي يرتكز على اللؤلؤ ومختلف الجهات الفاعلة. لكن قبل العصر الذهبي للؤلؤ، ما كان الوضع الجغرافي والثقافي وواقع تجارتها في الخليج؟

فالوضع الجيوغرافي-السياسي المعقد والوجود البريطاني في المنطقة لا يسمحان بالوجود الفرنسي ناهيك عن نمو تجارة لصالح حكومات أخرى.

            غير أن هناك عدد ضئيل من التجار الفرنسيين الذي يؤمنون بإمكانيات اللؤلؤ الذي تم استخدامه أكثر فأكثر في إبداعات المجوهرات في بدايات القرن العشرين. وكانت فترة انطلاقة الأرت نوفو أو الفن الحديث في عالم المجوهرات ووجود أول التجار في الخليج الذي لم يعودوا يرغبون بدفع التعريفات أو تطبيق إجراءات الوسطاء البريطانيين أم الهنود حينها. فنشأت التحالفات بين اللاعبين الفرنسيين والخليجيين.

                        اتضح أن هذه الاستراتيجيات التجارية هي ناجحة ومنذ بدايات 1910، تضاعفت التبادلات ليتم تطوير منطق تجارية مركّزة كما في الكويت أو في البحرين. في تلك الفترة، كان يتنقّل بعض الصائغين الفرنسيين لا سيما جاك كارتييه بأنفسهم إلى الموقع للاطلاع على الوضع والتحكم بجودة اللآلئ والإمدادات.

            ثم داء دور اللاعبين الجدد الذين يخترقون سوق اللؤلؤ وبعد الحرب العالمية الأولى، تصبح باريس عاصمةً له. إنه عصر اللؤلؤ الذهبي في إبداعات المجوهرات حين يتطور خيال ساحر لصيد اللؤلؤ: ترتفع أسعاره إلى قمم جديدة وتبنى الثروات على الجهتين – في فرنسا والخليج مع وجود صورة اللؤلؤ في كل مكان. من جهة أخرى وخلال عشرينيات القرن الماضي، يظهر اللؤلؤ المستزرع في السوق ليلقي بظلال الشك على تجارة راسخة ومتفائلة حتى ذاك الحين.

            يمثل عام 1929 بداية عقد يشهد نهاية العصر الذهبي للؤلؤ. أزمة عالمية وتوترات سياسية واجتماعية تمهّد للحرب العالمية الثانية ولتغيّرات في الخليج أيضاً فتصبح عوامل تؤدي إلى زعزعة السوق. ومع دخول اللؤلؤ المستزرع الهائل إلى السوق الذي يعد مطابقاً للؤلؤ الطبيعي بالنسبة إلى الجمهور العام، ينهار سوق اللؤلؤ الطبيعي ليدفع أبرز اللاعبين إلى حالة من الاضطراب الشديد.

            لا شك أن سنوات الافتتان التي رفعت اللؤلؤ إلى مكانة ملك الأحجار الكريمة لن تعود ذات صلة أبداً بسبب استنفاد الموارد وتحوّل الطلب إلى اللؤلؤ المستزرع؛ غير أن اللؤلؤ الطبيعي يبقى مرغوباً ومستخدماً في أيامنا هذه. في الخليج حيث تدوم ذكراه الرائعة أبداً وفي فرنسا حيث لا مثيل لجودتها، إن استخدام اللآلئ الطبيعية دائماً ما يمثل العودة إلى التقاليد والحاجة إلى الكمال والعاطفة.

غيوم غلوريو

أستاذ في الجامعات

مدير التعليم والأبحاث في ليكول - مدرسة فنون المجوهرات

أوليفييه سيغورا

المدير العلمي في ليكول - مدرسة فنون المجوهرات